التسليم لأمر الله وتفويض الأمر إليه
الحمد لله القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فما يدافع، نسألك يا الله أن تستر عوراتنا، وتؤمن من روعاتنا، وتغفر لنا ذنوبنا، وأن تحيينا على الإسلام وأن تميتنا على الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله ملك الملوك وقاهر الجبابرة ، من تعزز بقوته نجا، ومن تعزز بغيره ذل. إلهنا: ما ذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ من وجدك فقد وجد كل شيء، ومن فقدك فقد كل شيء.
يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بقرب فإن الفـارج الله اليـأس يقطع أحياناً بصاحبـه لا تيـأسن فـإن الكافـي الله
إذا بليت فثق بالله وارض بـه إن الذي يكشف البلوى هو الله الله يحدث بعد العسر ميسـرة لا تجزعـن فإن الصانـع الله والله مالك غير الله من أحـد فحسـبك الله في كل لـك الله
وأشهد أن سيدنا ونبينا وخليلنا وعظيمنا، وأستاذنا ومعلمنا، ومرشدنا وقائدنا ومخرجنا من الظلمات إلى النور بإذن ربنا محمد خير من توكل على الله، وخير من عبدالله حق عبادته)، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وذريته أجمعين، اللهم صل وسلم على أستاذ الوجود، وقرة العيون، ونور الأبصار وذهاب الهموم .فيا أيها الناس، إن ربكم يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، ولا يخفى عليه شيء من أمركم فاخشوه وراقبوه، تعرفَ إليكم بأسمائه وصفاته، وتحبب إليكم بنعمه وآلائه، يحب المتقين فسارعوا إلى التقوى، ويحب المحسنين فأحسنوا، ويحب الصابرين فاصبروا، ويحب المتوكلين فعليه فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، سبحانه وبحمده من استهداه هداه، ومن اعتمد عليه كفاه.عباد الله، إن المسلم الحق هو الذي يفوض الأمر إلى الله ويسلّم الأمر إليه، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14]. فهو الذي يعلم ما يضرّك وما ينفعك، وما يسعدك وما يشقيك جل جلاله وتقدست أسماؤه، فهل تنازع الله في أمره أو تعترض عليه في قضائه وقدره؟!عباد الله، لقد ضرب لنا القرآن مثلاً عظيما في التسليم لأمر الله وتفويض الأمر إليه دون اعتراض أو منازعة، بل بقلوب ملؤها الطمأنينة والرضا واليقين بموعود الله، ولنذكر مثلاً واحدا فيه القدوة والعبرة والأسوة، إنه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام. أيها المسلمون، لقد ترك إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولده إسماعيل في مكة، ولكنه لم ينسه ولم يغفل عنه، بل كان يزوره من حين إلى آخر، وفي إحدى هذه الزيارات رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام في منامه أن الله يأمره بذبح ولده إسماعيل، ورؤيا الأنبياء حق لأنها بمثابة الوحي من الله، لذلك عزم إبراهيمُ على تنفيذ أمر الله، وهذا ما يقصه الله علينا في كتابه: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ [الصافات: 99-112]. يا لله ما أعظمه من إيمان! ويا لله ما أعظمها من طاعة وتسليم!أيها المسلمون، هذا إبراهيم عليه السلام، الشيخ الكبير المقطوع من الأهل والقرابة، المهاجر من الأرض والوطن، ها هو ذا يرزق في كبره وهرمه بغلام طالما تطلع إليه، ولطالما دعا الله وألح عليه أن يهبه إياه، فلما جاءه بعد سنين جاء غلامًا يشهد له ربه بأنه حليم. وها هو ذا ما يكاد يأنس به وصباه يتفتح ويبلغ معه السعي ويرافقه في الحياة، ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد حتى يرى في منامه أنه يذبحه، ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية، فماذا صنع? إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم. نعم، إنها إشارة، مجرد إشارة، وليست وحيًا صريحًا، ولا أمرًا مباشرًا، ولكنها إشارة من ربه، وهذا يكفي، هذا يكفي ليلبي ويستجيب، ودون أن يعترض، ودون أن يناقش، ول
























